ملحمة دير ياسين 1

كتبهاReturn ، في 17 نيسان 2007 الساعة: 23:29 م

ملحمة دير ياسين

 : قرية امام منظمات صهيون

 وليد الخالدي أستاذ سابق في جامعات اكسفورد (بريطانيا) والأميركية (بيروت) وهارفرد (الولايات المتحدة). عضو أكاديمية العلوم والآداب الأميركية، وأمين سر مؤسسة الدراسات الفلسطينية  

المنظمات الصهيونية تتنافس

 وصل التنافس في الأشهر الأخيرة من الانتداب البريطاني في فلسطين عام 1948 بعد قرار التقسيم ذروته بين منظمة الهاغانا من جهة والمنظمتين الارهابيتين الارغون ("ايتسل") والشتيرن ("ليحي") من جهة اخرى ذلك ان الأولى كانت تمثل التيار "اليساري" العمالي الحاكم بقيادة بن غوريون في المجتمع اليهودي الفلسطيني والاخريين التيار اليميني المتشدد بتعاليم فلاديمير جابوتنسكي البولوني (1880-1940) الذي كان ابرز قادته مناحيم بيغن (البولوني ايضا) خليفة جابوتنسكي. وكان اهم مجال لهذا التنافس المجال العسكري أي العمليات العسكرية والارهابية ضد الفلسطينيين التي حلت محل مثيلتها ضد البريطانيين في الفترة السابقة لقرار التقسيم، وكان اخطر مسرح لهذا التنافس مدينة القدس وريفها لما تمثله القدس من اهمية رمزية وتاريخية ودينية وسياسية واستراتيجية. وكان حصاد هذا التنافس المرتجى مكاسب سياسية لدى الرأي العام اليهودي في فلسطين تحدد موقع كل من التيارين على الخريطة السياسية للدولة العبرية المرتقبة الولادة فور انتهاء الانتداب في 15 ايار (مايو) 1948 بعد ان حصلت على الضوء الاخضر في قرار التقسيم. وكان هامش المزايدة لمصلحة "ايتسل " و "ليحي" في القدس على الهاغانا واسعا رحبا ذلك ان موقفهما السياسي المعلن دونما لبس او حرج بالنسبة للتقسيم كان الرفض القاطع المطلق له من حيث المبدأ والدعوة الصريحة لمناهضته بقوة السلاح لاستثنائه مناطق من "اسرائيل" الكبرى في نظرهم "منحت" للدولة العربية بموجب قرار التقسيم وهو القرار الذي استثنى ايضا مدينة القدس وريفها من كل من الدولة العبرية والدولة العربية كما نص على انشاء وضع خاص منفصل ( Corpus Separatum ) لهما أي للقدس وريفها تحت الوصاية الدولية، وبالمقابل كان موقف القيادة الصهيونية المتمثلة بالوكالة اليهودية بقيادة بن غوريون الرسمي المعلن هو القبول بالتقسيم باستثنائاته جميعا بما في ذلك مدينة القدس وريفها وهو الموقف الذي جعل من الممكن اصلا استحصال هذه القيادة على قرار التقسيم، اذ ان الدول اللاتينية الكاثوليكية لما كانت صوتت في حينه في هيئة الامم تأييدا لمبدأ التقسيم لو كان تضمن ادخال مدينة القدس في الدولة العبرية. بيد انه اذا كان موقف القيادة الصهيونية القبول اللفظي الظاهر باستثناء القدس من الدولة العبرية المرتقبة فان سياستها الفعلية الباطنة المجسدة في خطة الهاغانا الاستراتيجية الكبرى (خطة دالتا Plan Delta) السرية كانت ضم القدس وما امكن من غيرها من المناطق العربية (داخل الدولة العربية) الى الدولة العبرية بقوة السلاح، وبالفعل باشرت قيادة الهاغانا بتنفيذ الخطة دال في الاسبوع الاول من شهر نيسان (ابريل) عام 1948 عندما قدرت ارتخاء القبضة البريطانية على البلاد وصلت مرحلة تتيح لها الفرصة بالبدء بتنفيذ خطتها الكبرى وهكذا شرعت في افتتاح خطة دال بعملية "خشون" التي حشدت لها 1500 من مقاتليها وهو ما اشرنا اليه سالفا.

المحادثات بين الهاغانا وبين "ايتسل" و" ليحي" عشية الهجوم على دير ياسين

 كان الطرف الاقوى بين المنظمات الثلاث في القدس الهاغانا التابعة للقيادة العمالية بزعامة بن غوريون وكان عداد قواتها في المدنية 5335 جنديا وحارسا وذلك في اول تشرين الثاني (نوفمبر) 1957 قبيل صدور قرار التقسيم. وكان اهم هذه القوات التي نمت وتطورت بعد قرار التقسيم وحدات جيش الميدان ووحدات البالماخ الضاربة. وانقسمت وحدات جيش الميدان الى كتائب ثلاث: كتيبة "مخمش" وكتيبة "موريا"، وكتيبة "بيت حورون" وتمركزت سرايا البالماخ في المستعمرات القريبة من قرية القسطل على طريق تل ابيب - يافا - القدس الرئيسية كما تمركزت وحدة منها في معسكر شنلر في ضاحية غربية من القدس على بعد كيلومترين الى الشرق من دير ياسين. وفي 14 شباط (فبراير) 1948 عين بن غوريون قائد جديدا (للهاغانا في القدس أي للأحياء اليهودية منها) هو ديفيد شلتئيل وزوده بتعليمات فحواها ان عليه انتهاج خطة على مرحلتين في المدينة. المرحلة (1) الى حين خروج البريطانيين في 15 ايار 1948 والمرحلة (ب) مباشرة بعد الجلاء البريطاني، وفي المرحلة الاولى على الهاغانا التحصن واعداد المدينة ومداخلها للدفاع، منع هجر الاحياء اليهودية الحدودية، تأمين المواصلات بالمستعمرات المجاورة، منع اخلاء البلدة القديمة من اليهود، السيطرة على طريق القدس - باب الواد المؤدية الى الساحل والسيطرة في كل فرصة عسكرية وسياسية على أحياء العرب بهدف تأمين تواصل المناطق اليهودية في المدينة جغرافيا، وفي المرحلة (ب) بعد الجلاء البريطاني، تلخصت الاوامر بجملة مقتضبة:"تحرير البلدة القديمة والقدس بأكملها". كان شلتئيل الماني الاصل خدم في الفرقة الأجنبية الفرنسية وعمل رئيسا لاستخبارات الهاغانا قبل توليه منصبه بالقدس وكان رئيس "الايتسل" في القدس مردخاي رعنان بينما كان يهوشع زطلر رئيس "ليحي". وعندما بدأت الهاغانا بعملية "نحشون" في 4 نيسان لاحتلال القرى العربية الواقعة على جانبي طريق يافا - القدس في السهل الساحلي واحتدمت معركة القسطل في جبال القدس بعد احتلالها في اليوم نفسه من قبل قوات البالماخ ضمن اطار عميلة "نحشون" ذاتها شعر قائد "ايتسل" و"ليحي" بالقدس بالحرج تجاه هذا التحرك الواسع النطاق من قبل الهاغانا فقررا ان يقوما بعمل "يضاهي" ما تقوم به الهاغانا. ويقول اسحاق ليفي رئيس استخبارات الهاغانا في القدس في حينه في مذكراته انه نظرا لقلة مواردهما نسبيا ولعجزهما عن القيام بعملية واسعة النطاق على غرار الهاغانا وخشية ان يتم "عزلهما" لدى الرأي العام اليهودي المقدسي وقع اختيارهما على دير ياسين وكان ذلك في 6 نيسان. ويقول مئير بعيل الذي كان يعمل في استخبارات البالماخ "ان قادة "ايتسل" و "ليحي" جاؤوا الى شلتئيل طالبين منه الموافقة على الهجوم على دير ياسين فقال لهم: لماذا دير ياسين؟ هذه قرية هادئة ويوجد اتفاق عدم تعدي بين غيفعات شاؤول (المستعمرة الاقرب الى دير ياسين) وبين مختارها والقرية لا تشكل أي خطر امني علينا ومشكلتنا هي المعركة الدائرة في القسطل والذي اقترحه ان تندمجوا في معركة القسطل وساعطيكم مستعمرة بيت فيغان كقاعدة للهجوم على قرية عين كارم التي تتوجه عبرها النجدات العربية الى القسطل. فاجاب قائدا "ايتسل و ليحي" بان الهجوم على عين كارم عملية في غاية التعقيد فقال شلتئيل: اعطيكم عملية اهون منها، خذوا مستعمرة موتا قاعدة لكم للهجوم على قرية قالونيا "القرية الاقرب الى القسطل": حيث يمكنكم ان تفعلوا ما تشاؤون ( Control, Destroy, Demolish) لان القوات العربية تتمركز فيها (أي في قالونيا)". ويتابع ليفي انه عندما تبين لشلتئيل بان قادة "ايتسل" و "ليحي" مصممون على مهاجمة دير ياسين ارسل الى كل من المنظمتين في 7 نيسان الرسالة الاتية: "اود ان الفت انتباهكم الى ان احتلال دير ياسين والاحتفاظ بها يمثلان مرحلة في خطتنا العامة، ولا مانع لدي من ان تنفذوا العملية شرط ان تكونا قادرين على الاحتفاظ بها واذا لم يكن في وسعكم ذلك فانني احذركم من نسف القرية التي سيجر في اعقابه ترك سكانها لها واحتلال الانقاض من قبل قوات غريبة وهذا الوضع سيثقل على المعركة العامة بدلا من ان يخفف وسيكلف احتلال المكان مرة اخرى ضحايا عديدة من رجالنا، وثمة سبب اخر اود ان أطرحه عليكم وهو انه اذا جاءت الى المكان قوات غريبة فسوف تتعرقل خطة انشاء مطار بالقرب من القرية". ويتابع ليفي قوله: "عندما علمت برسالة شلتئيل الى المنظمتين اسرعت اليه وشرحت له خطورة عمله حيث ان سكان دير ياسين امناء على العهد بيننا وبينهم وانه لا يجوز ان نؤذيهم بهذا الشكل البشع واستأذنته بان انصحهم باخلاء قريتهم دون ان اعلمهم بان الهجوم عليهم وشيك الحدوث، رفض شلتئيل رجائي قائلا بانه لا يستطيع ان يعرض ارواحا يهودية للخطر بمثل هذا التحذير حتى ولو كان هناك اتفاق بيننا وبين "دير ياسين" ويختتم ليفي كلامه قائلا : " لو ان شلتئيل منع المنظمتين من الهجوم على دير ياسين لامتنعا". ويتضح بجلاء مما سبق وخصوصا من "تحفظات" شلتئيل على العملية ان قيادة الهاغانا اعطت "ايتسل " و " ليحي" ضوءا اخضر مشعا للهجوم على دير ياسين ان مصيرها كان مقررا ومحتوما ان عاجلا كان ام آجلا على رغم اتفاق عدم التعدي معها فان لم يكن على ايدي المنظمتين الارهابيتين فعلى ايدي الهاغانا.

الاستعدادات للهجوم

 يقول المؤلف "الاسرائيلي" برلمتر الذي كتاب سيرة مناحيم بيغن قائد الايتسل" الاعلى انه لكي نفهم ما حصل في دير ياسين يجب ان نفهم ذهنية بيغن ونظرته الى العرب في اطار الظروف السياسية والعسكرية القائمة وهي ذهنية ونظرة استلهمهما من مرشده جابوتنسكي مؤسسة الحركة التنقيحية والتنقيحية ترفض رفضا قاطعا أي ادعاء لعرب فلسطين بأية حقوق سياسة او اقليمية في ارض "اسرائيل" … وجابوتنسكي حرص على نزع الرومانسية عن الشرق وهو القائل "الشرق هو الغريب عني، ونحن معشر اليهود نحمد الله على انه ليست لنا اية علاقة بالشرق… ولا بد من كسح الروح الإسلامية من ارض "اسرائيل"". ويتابع برلمتر كلامه قائلا ان نظرة "ايتسل " و"ليحي" تتفرع عن الحركة التنقيحية لكنها اكثر "راديكالية" من نظرة جابوتنسكي ويمكن تلخيصها بان "العرب انما هم قتلة ووحوش الصحراء وليسوا شعبا يتمتع بشرعية الشعوب". ويلقي الكاتب اليهودي الاميركي كورزمان ضوءا اضافيا على ذهنية "ليحي" عام 1948 عندما يخبرنا بان قادة المنظمة اسروا له بانهم خططوا في ايار من السنة ذاتها لنسف مسجد قبة الصخرة في الحرم الشريف وان "منطقهم" في ذلك كان ان "المعبد الثاني بني على انقاض المعبد الاول وانه لا بد من ان يقام المعبد الثالث على انقاض المسجد". وبعد اتخاذ القرار للهجوم على دير ياسين اجتمع قادة الـ "ايتسل " و "ليحي" "العسكريون " لوضع خطة الهجوم وحضر الاجتماع عشرة منهم بما في ذلك بن زيون كوهين قائد الهجوم القادم ممثلا للـ "ايتسل" (الارغون) ومساعده يهودا لبيدوت ويهوشع غولدشميت ضابط عمليات "ايتسل" وحضر عن "ليحي" (الشتيرن) بتحيا زليفنسكي قائد وحدا "ليحي" ومردخاي بن غوزيهو ضابط عملياتها. ودار النقاش في الاجتماع حول تفاصيل الهجوم وتتطرق الى كيفية معاملة الاسرى والشيوخ والنساء والاطفال. ويخبرنا بن زيون كوهين كما ورد في شهادة بخط يده اودعها في مؤسسة جابوتنسكي في تل ابيب انه "كان ثمة اختلاف في الآراء ولكن الاكثرية كانت تحبذ تصفية جميع الرجال وكل من يقف بجانبهم اكانوا شيوخا ام نساء ام اطفالا واتضح من ذلك انه كانت هناك رغبة عارمة للانتقام لما حدث في كفار اتسيون وعطاغروت". والإشارة هنا الى معركتين بالقرب من مستعمرتين الأولى جنوب القدس على طريق الخليل والثانية شمالها على طريق رام الله انتصر فيها المجاهدون قبل ذلك بقليل على قافلتين للهاغانا. وثمة وثيقة ثانية لكوهين بخط اليد اضيفت الى الشهادة الاولى في مؤسسة جابوتنسكي تكرر حرفيا ما جاء في الشهادة الاولى. ويخبرنا يهودا لبيدوت مساعد كوهين في شهادة له عن الاجتماع :ان الاقتراح خلاله بتصفية سكان دير ياسين إنما جاء من "ليحي" وان الغرض من ذلك كان ان نثبت للعرب ماذا يحدث عندما تشترك "ايتسل" و"ليحي" في عملية واحدة وان نحدث عاصفة من الأصداء تجتاح البلد بأسره وتصبح نقطة تحول في القتال بيننا وبين العرب وبكلمة كان المقصد تحطيم معنويات العرب ورفع معنويات الجالية اليهودية بالقدس ولو قليلا وهي التي كانت في الحضيض نتيجة الضربات الموجعة التي كان قد تلقتها مؤخرا". ويضيف لبيدوت ان فكرة الهجوم على دير ياسين كانت من وحي يهوشع غولدمشيت ضابط عمليات "ايتسل" وهو من ابناء مستعمرة غيفعات شاؤول جارة دير ياسين ,"ان الدافع الاساسي كان اقتصاديا ذلك اننا كنا في امس الحاجة الى الغنائم لتموين قواعد المنظمتين التي كنا اسسناها حديثا مع بقاء الهدف الامني العسكري. ويدعي لبيدوت ان قادة "ايتسل": تحفظوا على اقتراح "ليحي" بتصفية سكان دير ياسين قائلين ان الموضوع سياسي وليس عسكريا وبالتالي يحتاج الى موافقة القيادة السياسية لـ "ايتسل" وان القيادة السياسية لم تقر اقتراح "ليحي" وطلبت منهم التركيز على الناحية العسكرية اثناء احتلال القرية " ( Focus on the Military Side) ونستخلص مما سبق عن اسباب اختيار دير ياسين هدفا ولدوافعه الآتي، اولا : قرب دير ياسين من المستعمرات الست المقابلة لها والتي ذكرناه سالفا وخاصة مستعمرة غيفعات شاؤول التي كانت تبعد 1200 متر فقط من قلب القرية (الحارة). ثانيا : سهولة الوصول اليها على الطريق الرئيسية بينها وبين غيفعات شاؤول الصالحة لمرور المصفحات. ثالثا : كون دير ياسين عقدت اتفاق عدم تعدي مع غيفعات شاؤول مما يدل على خوفها وبالتالي ضعفها. رابعا : إمكان استغلال عنصر المفاجأة لاعتماد دير ياسين على اتفاق عدم التعدي. اما الدوافع فهي: التنافس مع الهاغانا والرغبة في تسجيل انتصارات عليها لدى الرأي العام اليهودي المقدسي، بالانتقام لمعركتي كفار اتسيون وعطاروت مع ان دير ياسين لم تشترك في أيهما، (ج) السلب والنهب لكون دير ياسين من القرى العربية الغنية، (د) التنفيس عما في الصدور من كراهية عنصرية دفينة. ومن الواضح من كلام لبيدوت عن اجتماع القادة انه يحاول إلقاء اللوم رجعيا على "ليحي"، اما ادعاؤه بتحفظ" ايتسل" على المساس بالمدنيين فرياء وهراء، ذلك ان "ايتسل" هي التي ابتدعت فن زرع الألغام الموقوتة في الاسواق العربية المكتظة ابتداء من عام 1938، ويذكر ان يهوشع غولدشميت صاحب فكرة الهجوم على دير ياسين وضابط عمليات "ايتسل": الذي حضر اجتماع القادة هو ذاته الذي قاد الشاحنة المليئة بالمتفجرات التي نسفت فندق الملك داود بالقدس في 22 تموز (يوليو) 1946 مما اسفر عن مقتل 75 مدنيا من بريطانيين وعرب ويهود.

خطة الهجوم وترتيباتها الاخيرة

 حشدت "ايتسل" و"ليحي" قوة عدادها 200 من اشرس مقاتليهما للهجوم على دير ياسين ووضع حوالي 70 منهم في الاحتياط. ونظم الباقون كقوة هجومية قسمت الى اربع شراذم وعين كل من يهودا لبيدوت وهودا سيفل (كلاهما من "ايتسل" ) ومنشه ايخلر ومردخاي بن عوزيهو (كلاهما من "ليحي") قائد للهجوم ككل بينما تولى بتحيا زليفسكي قيادة رجال "ليحي". ووزعت على المقاتلين البنادق والرشيشات الاتوماتيكية بالتساوي كما اعطي كل مقاتل قنبلتان يدويتان ومسدس وهراوة وكان لكل شرذمة مدفع رشاش Bren واغلب الظن ان الهراوات كانت للاجهاز على الجرحى العرب توفيرا للذخيرة. وحملت الشراذم كميات وافرة من المواد المتفجرة ( gelignite) . وضمنت خطة الهجوم التحرك على اربعة محاور اولا: شرذمة "ليحي" بقيادة مردخاي بن غوزيهو تتقدم من غيفعات شاؤول وتهاجم دير ياسين من الشمال باتجاه الزاوية القائمة حيث تلتقي الطريق الرئيسية غرب - شرق الموصلة من غيفعات شاؤول الى دير ياسين بالطريق شمال - جنوب التي تمر امام وسط البلدة (الحارة). ثانيا : شرذمة مختلطة تتقدمها مصفحة عليها مكبر صوت بقيادة منشه ايخلر تندفع من الشرق الى وسط البلد على الطريق الرئيسية من غيفعات شاؤول. ثالثا: شرذمة بقيادة يهودا سيفل تنطلق من مستعمرة بيت هاكيريم وتهبط في الوادي الفاصل بين دير ياسين لتتسلق الطرف الآخر من الوادي وتقتحم القرية من الناحية الشرقية الجنوبية عند جامع الشيخ ياسين وشرذمة بقيادة يهودا لبيدوت تنطلق من بيت هاكيريم ايضا وتهاجم القرية بحركة التفافية من الجنوب الغربي حتى تسيطر على اعالي القرية الغربية من الخلف أي من الغرب. وفي شهادة لاحقة لمردخاي جيحون ضابط استخبارات الهاغانا في منطقة بيت هاكيريم ان قيادة الهاغانا أوكلت اليه مهمة احتلال تل الشرافة (جبل هرتسل الان) الواقع الى جنوب شرق دير ياسين (على ان يتزامن ذلك مع تحرك قوات المنظمتين الاخريين) لنصب مدفع رشاش ثقيل ( Spandau) بهدف توفير سيطرة نارية على درب دير ياسين - عين كارم لمنع النجدات من الاخيرة ولضرب مواقع القرية العليا الغربية ولازعاج الفارين من دير ياسين. وعينت ساعة الصفر في الخامسة والنصف مع الفجر على الا يبدأ باطلاق النار من قبل القوات المهاجمة حتى يصل كل منها الى هدفه في اطراف القرية البعيدة وفي وسطها وبعد ان تطلق رشقة ضوئية من مدفع رشاش ايذانا بالبدء بالهجوم العام. ولا بد من كلمة هنا عن مكبر الصوت الذي كان منصوبا بجانب المدفع الرشاش Bren على المصفحة الاقتحامية ذلك ان دوره في المعركة غدا قطب الرحى في الروايات التبريرية اللاحقة للمنظمتين الارهابيتين لما اقترفت ايديهما في دير ياسين، ومعلوم لكل دارس للتكتيك الهجومي للقوات اليهودية في هذه المرحلة بما في ذلك قوات الهاغانا ان هذه القوات كانت دائمة الاعتماد في هجماتها على الاهداف المدنية العربية (اضافة الى القصف والتفجير والضرب بالنار) على عنصر الحرب النفسية عن طريق مكبرات صوت على ناقلات واذاعات في الراديو تدعو السكان المستهدفين الى الاستسلام والفرار امعانا في خلق الذعر والبلبلة في صفوفهم واضعافا للمقاومة وتيسيرا لمهمات الوحدات القتالية وهذا ما حدث بالفعل في هجمات الهاغانا على الاحياء العربية في كل من حيفا والقدس ويافا وغيرها. بيد ان الامر اصبح في الروايات التبريرية اللاحقة لما حدث في دير ياسين ان مكبر الصوت كان انما دليل على فروسية "ايتسل" وليحي" حيث ان النية على استعماله (وهو لم يستعمل كما سنبين لاحقا) عني التخلي عن عنصر المفاجأة وبالتالي تعريض المهاجمين انفسهم للهلاك حرصا على ارواح المهاجمين. وما ذلك طبعا الا هراء في هراء، يذكر ان "ايتسل" اعتمدت هذه الحجة بالذات في اثر مذبحة فندق الملك داود عام 1946 حين ادعت بانها انذرت الفندق بوجوب اخلائه قبل الانفجار بثلاثين دقيقة فجعلت بذلك اللوم لما حدث على ضحاياها. وهكذا انهمك رجال "اتسل" و"ليحي" في الاعداد للهجوم وتدربوا في منطقة مبنية قريبة في حي الشيخ بدر المهجور (وهو من الاحياء العربية في القدس الغربية الذي تم الاستيلاء عليه سابقا) على القاء القنابل اليدوية الى داخل كل منزل واطلاق رشقات رصاص على داخل كل غرفة قبل دخولها وسرقوا المصفحة التي كانت تخص الهاغانا كما سرقوا سارية من مبنى حكومي لرفع الراية الصهيونية على القرية وقاموا بجولات استطلاعية حوالي دير ياسين ووصلوا الى مشارفها ورافقهم في ذلك رجال من الهاغانا والتقوا باعضاء الهاغانا الذين كانوا يتمركزون في مواقع مقابل دير ياسين واتفقوا معهم على كلمة السر"سنضرب العدو". ولا بد هنا من العودة قليلا الى مئير بعيل الذي روينا عنه اعلاه ما جرى بين شلتئيل قائد الهاغانا في القدس وقادة "ايتسل" و"ليحي": في مقابلة حاول الاول فيها ان ينهيهم عن الهجوم على دير ياسين واختيار قرى سواها ذلك ان بعيل اصبح ابرز ناقد عمالي يساري لافعال "ايتسل" , " ليحي" في دير ياسين في المناظرة العنيفة التي ما زالت قائمة الى يومنا هذا حول ما حصل فعلا في 9 نيسان عام 1948 وحول دور الهاغانا في المعركة ويخبرنا بعيل التابع لمخابرات البالماخ في حينه انه كلف بمراقبة المعركة المقبلة حتى يرفع تقريرا إلى قادة الهاغانا يقيم فيه اداء المنظمتين الارهابيتين العسكري لكونهم كانوا ينظرون في صلاحيتهما للاندماج في قوات الهاغانا أي جيش الدولة العبرية المزمع اعلانها قريبا. ويقول بعيل انه اندس بين صفوف المهاجمين حين بدء تحركهم نحو دير ياسين حاملا رشيشا من نوع ( Tommy) لم يطلق منه رصاصة واحدة وانه اصطحب معه مصورا يحمل الة تصوير من نوع "لايكا" وان المصور التقط 36 صورة عن مراحل المعركة كلها ارسلها بعيل مع تقرير الى قيادة الهاغانا فور انتهائها وسنتطرق الى بعيل وروايته ومشاهداته لاحقا. قبيل منتصف ليل 8/9 نيسان تحركت قوة "ليحي" بقيادة بتحيا زليفنسكي من حي الشيخ بدر (مسرح تدريبهم ) الى مستعمرة غيفعات شاؤول نقطة انطلاقها اذ تمركزوا في موقع للهاغانا ملاصق لمصنع البيرة. وفي الوقت نفسه وصلت قوة "ايتسل " بقيادة بن زيون كوهين الى مستعمرة بيت هاكيريم نقطة انطلاقها. 

 ليل الجمعة 9 نيسان 1948

لم تكن ليلة الجمعة 9 نيسان (ابريل) عام 1948 ليلا ساكنا لاهالي دير ياسين البالغ عددهم 750 نفسا. بيد انه لم يخطر ببال احد منهم انها ستكون اخر ليلة سيأوون فيها الى فراشهم بين اهلهم ووسط كرومهم في قرية ابائهم واجدادهم او ان العديد من اقرب الاقربين اليهم لن يروا غروب الشمس التالي، ولف البلدة جو جمع بين دكنة الليل والحزن على عبد القادر، وشد القلوب شعور بالانقباض وهواجس مصدرها التحسب وضيق النفس. وطلب حسن رضوان من زوجته عثمانه الا تنام الليلة مع الاولاد في منزلهما الواقع في اطراف البلدة الغربية، وان تذهب للمبيت في منزل والدها صالح رضوان (90) وسط القرية، فتفعل، وتمضي هزيع الليلة في احاديث مع والدها الذي يسر اليها مخاوفه، خصوصا ان يهوديا من معارفه زاره ظهر اليوم (الخميس) في كسارة العائلة بالقرب من غيفعات شاؤول ليحذره بلغة عربية ركيكة "يا خاج روخ من هون بدهم يضربوا من شانك". وتشاهد عزيزة عطية زوجة محمود رضوان من منزلها ليلا تجمعا يهوديا مريبا في غيفعات شاؤول فتخبر احد جيرانها فينصحها بالسكوت حتى لا تخيف القرية، وتقرر ان تذهب الى فرن القرية في ساعة مبكرة (هي الثانية صباح الجمعة) على غير عادتها حاملة صينية العجين على رأسها وتترك اولادها نائمين : جمال (سنة ونصف)، ثريا (4 سنوات)، سكينة (9 سنوات)، احمد (11 سنة)، فاطمة (12 سنة) ورفقة (14 سنة) وتغلق عليهم الباب وتأخذ معها المفتاح وفي نيتها العودة قبل ان يستيقظوا، ويستمع زوج ام عيد الى نعي عبد القادر ـ عبد القادر، مجاهد فلسطيني كان من القادة المدافعين عن ارض فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني استشهد في نيسان 1948ـ من الة الراديو في منزله، وهي احدى ثلاث آلات راديو في القرية تعمل على بطاريات السيارات ويقوم ليستحم وينام فتتولى تنظيف البيت وتخرج الموقد خارجه وتشعر في الظلام ان شيئا ما لمسه فتهر ب الى داخل البيت مذعورة وتطرق الباب بشدة ايقظت زوجها وتروي له ما حدث فيهدأ من روعها ويطلب منها الخلود الى النوم فترضع ابنها وتنام. قرابة الواحدة صباحا من يوم الجمعة 9 نيسان (ابريل) تحركت شراذم مشاة المهاجمين الثلاث من قواعدها حتى تكون في مواقعها المحددة لكل منها في اطراف القرية وفق خطة الهجوم عند ساعة الصفر في الخامسة والنصف من الصباح. وللتذكير نعيد ما اسلفنا: اقتضت الخطة ان تنطلق شرذمة ليحي (شتيرن) من مستعمرة غيفعات شاؤول غربا لتقتحم القرية من الشمال الشرقي في منطقة بئر الجوزة. عند المنازل والمنازل قبلها على يمين الطريق وتنطلق شرذمتان للايتسل (ارغون) من مستعمرة بيت هاكيريم احداهما تقوم بحركة التفافية من الجنوب لتقتحم اعالي القرية الغربية عند المنازل والثانية تقطع الوادي الفاصل هبوطا وصعودا لتقتحم القرية عند منطقة جامع الشيخ ياسين ومدرسة البنات اما المصفحة فتنقل قسما من الشرذمة الرابعة المختلطة (10 مقاتلين) من ايتسل وليحي ويتبعها الباقون سيرا على الاقدام وتسرع على الطريق الرئيسية لتصل الى وسط القرية عند المنزل على ان يتزامن وقت انطلاقها مع انتهاء تمركز الشراذم الثلاث الاخرى المسبق في مواقع بدء هجومها عند ساعة الصفر لقصر المسافة التي على المصفحة قطعها، وهكذا كانت الخطة الا يباشر المهاجمون باطلاق النار قبل احكام الطوق على القرية من الشمال والشرق والجنوب والغرب على ان تكون اشارة البدء صلية ضوئية من مدفع رشاش تحمله شرذمة "يهودا سيغل " المكلفة بالاقتحام بالقرب من جامع الشيخ ياسين، ويروي يهودا لبيدوت قائد شرذمة ايتسل الثانية ان قوته صادفت على الطريق حراسا من الهاغانا :"فقلت لهم: اننا ذاهبون لمهاجمة دير ياسين، باركونا قائلين، نتمنى لكم النجاح، نتمنى لكم النجاح". في هذه الاثناء كان رجال دير ياسين وشبابها في حال تأهب شديد يتناوبون الحراسة ويساندون بعضهم بعضا فيها فاسماعيل محمد عطية (37 سنة) العائد لتوه من معركة استرداد القسطل يتوجه الى منزله ليتفقد اسرته ثم ينطلق الى احد مراكز المراقبة امام منازل العائلة. ليقف على مسافة من اخيه الاصغر وكلاهما يحمل بندقية، وينهي داود جابر دوره في الحراسة في الساعة الثانية عشرة من منتصف الليل وبدل ان يعود الى منزله يتوجه مع آخرين لدعم المجموعة المرابطة عند كسارة سحور، وفي الساعة الثانية عشرة ايضا يستلم احمد رضوان البندقية من اخيه محمود الذي يكبره سنا ليقوم بدوره في الحراسة والمراقبة، ويأخذ في الوقت نفسه حسين زيدان البندقية من ابنه داود … وهكذا… ويروي اسماعيل محمد عطية انه شاهد في الثانية والنصف صباح الجمعة اضواء كاشفة لسيارات يهودية تخرج من المستعمرات تارة وتعود تارة فيذهب مع آخرين الى الطريق الرئيسية الموصلة الى المستعمرات ليستطلعوا جلية الامر فلا تلبث حركة السيارات ان تتوقف ويبدو كل شيء هادئا وتغط المستعمرات في ظلام دامس.

تفاصيل المعركة

وتختلف الروايات عن بدء اطلاق النار فاسماعيل محمد عطية يروي انه فوجي في الساعة الثالثة والنصف تقريبا بسماع رصاص من بندقية اخيه محمود فيطلب منه تفسيرا عن "هذا التصرف الطائش" فيرد محمود انه اطلق على يهودي يحاول التسلل. ويروي داود جابر انه سمع مع رفاقه من موقعهم عند كسارة سحور. في الساعة الرابعة عيارا ناريا فيطلب منه حسين زيدان الذي كان في الموقع نفسه ان يذهب ويخبر القرية بعدم اطلاق النار. ويروي بن زيون كوهين "ايتسل" قائد الهجوم ان رجاله كانوا رابضين عند اطراف وسط القرية، وكان الحراس العرب يتجولون بين المنازل ويتحدثون مع بعضهم البعض وفي الساعة 4.25 دحرج احدنا حجرا بطريق الخطأ فسمعنا ضجة خطوات مسرعة ويخاطب احد الحراس زميله مناديا:" يا محمد" !، فيظن قائد جماعتنا ان واحد من ليحي (شتيرن) يلفظ بداية كلمة السر :"احدوت" (ومعناها وحدة) فيعطي الجواب المتفق عليه : "لو حيمت " (ومعناها قتالية) فيصرخ الحراس العرب "يهود يهود" ولم يعد امامنا خيار وفي الساعة 4.30 قبل ساعة الصفر بساعة اصدرت امرا الى جماعة يهودا سيغل الامامية باطلاق رشقة طلقات ضوئية من مدفعه الرشاش مؤذنا ببدء الهجوم". ويروي حسين عطية (28 عاما)، وهو الذي كان من اعضاء وفد القرية الذي ذهب الى مصر لشراء السلاح كما اسلفنا، ان دوره كان في مركز امامي على تل يشرف على الطريق الرئيسية بالقرب من كسارة سحور، وانه في الساعة الرابعة من فجر يوم الجمعة سمع ورفاقه في الموقع بوقع اقدام من الجهة الشمالية الشرقية (شرذمة ليحي القادمة من غيفعات شاؤول)، ولكن الصوت كان بعيدا ولم يروا شيئا، وكانت مهمتهم حراسة الطريق الرئيسية، ولم يأت احد على هذه الطريق بعد، ثم سمعوا صوت المعركة قائمة خلفهم وسط البلد (شرذمة أيستل بقيادة بن زيون كوهين) " عند مركز ابن العم اسماعيل عطية وابنه محمود"، وما لبث ان شاهد مجموعة ثانية يهودية "طلعت علينا من الشمال عند المدرسة" (مدرسة الصبيان) خلفهم ايضا و "بدأت المعركة بيننا وبين اليهود (شرذمة ليحي) الذي احتلوا المدرسة كما استعرت في حارات وسط البلد". وينتقل حسين ورفاقه الستة من التل الى سطح منزل الحاج احمد رضوان، المشرف على الخندق المموه وتأتي المصفحة تتقدم الشرذمة الرابعة وتتوقف عند الخندق ويحاول من فيها (عشرة مقاتلين) ومن خلفهم ( شرذمة ليحي وايتسل المختلطة) ردم الخندق وتجري معركة عنيفة لمنعهم من ذلك وتسقط المصفحة في الخندق ويستمر تبادل اطلاق النار الى ان تنفذ ذخيرة المدافعين ويضطرون الى الانسحاب من سطح المنزل عبر اشجار الزيتون الى اعالي القرية الغربية حيث ينضمون الى المقاتلين الذي تمركزوا هناك. ويروي جمعة زهران الذي كان يقطن مع اقاربه من ال زهران في المنازل انه خرج من منزله لوضوء صلاة الفجر حوالي الأربعة وان حرس القرية اخذوا ينهرون باصوات عالية قائلين "سمعنا قرقعة تتقدم نحونا (شرذمة ليحي القادمة من الشمال من غيفعات شاؤول) ولكنهم لم يردوا علينا" ويتابع جمعة:" اننا لم نتحر مصدر القرقعة لاول وهلة بسبب الظلام اذ كان الجو غائما وبدأ رذاذ المطر" حتى انطلقت شارة "ملونة" حوالي الخامسة وبدأت المعركة. كان جمعة عند باب بيته من دون سلاح اذ ان السلاح كان مع والده الحاج محمد ومع اخيه علي وابن اخيه محمد الذين كانوا يحرسون منازل العائلة ويصاب الوالد بعد الطلقات الاولى فيأخذ جمعة البندقية الايطالية منه واذ به يفاجأ باليهود (شرذمة ليحي) "تماما امام بيوتنا". وكان اخوه وابن اخيه يقاومان من ناحية الشمال ويجد جمعة نفسه وجها لوجه امام يهودي في ممر قريب من منزله فيستحكم كل منهما خلف جدار ويضربه اليهودي عبوة من رشيشه ويخطئه ويضربه هو طلقة ويخطئه ويتقدم اليهودي من خلف السور ويمسك ببندقيته يريد سحبها منه وبعد شد وجذب يتغلب على اليهودي الذي ينقلب على ظهره فيطلق عليه عيارا يصبيه به وتنصب على جمعة النار من جهات عدة فينسحب الى خلف منزل يوسف عليا ومنه الى اعالي القرية الغربية، حيث ينضم الى المقاتلين الذين تمركزوا هناك ويكون هذا اخر عهد له بمجموع افراد عائلته واقاربه كافة ناهيك عن منازلهم. ويروي خليل سحور اخو المختار محمد سحور الذي كان يقاتل الى جانب الحاج محمد زهران (والد جمعة) انه نصح الحاج الجريح بالعودة الى منزله ثم يذهب الى منزل يوسف عليا لاخراج الذخيرة التي كانت هناك وينضم اليه ابناء يوسف عليا علي واحمد ومحمد ويستحكم الاربعة خلف الجدار عند قائمة الزاوية بين الطريقين عند بئر الجوزة بالقرب من منزل ال عليا وتكون شرذمة ليحي قد مرت وتقدمت الى وسط القرية باتجاه المنازل فيجري تبادل عنيف بالنار بين الفريقين ويبدأ مقاتلو دير ياسين في اعالي القرية باطلاق النار على منطقة بئر الجوزة ويتابع خليل " اصبحنا بين نيرانهم ونيران اليهود وحاولنا ان نلفت انظارهم ولكن عبثا". كانت الساعة حوالي الخامسة والنصف صباحا وبعدها بقليل يأتيه من يقول ان بعض نساء واطفال ال سحور ما زالوا في منزل عبد الحميد سحور فيذهب معه ويخرجهم من شباك خلفي ويصعد الى منزل عارف سحور حيث يستحكم على سطحه ويعيق مع رفاقه تقدم اليهود على الطريق الرئيسية التي يشرف عليها المنزل. وتروي الروايات السالفة للمدافعين سير القتال في الطرف الشرقي للقرية عند الكسارات والخندق (رواية حسين عطية) وعند زاوية الطريقين القائمة (روايتا جمعة زهران وخليل سحور). وننتقل الان الى وسط البلدة قرب منازل ال عطية ثم الى اعاليه الغربية عند المنازل ثم نصعد الى اعلى منازل القرية ويلاحظ ان شرذمة ليحي القادمة من الشمال من غيفعات شاؤول نجحت في اقتحام منطقة المنازل وتقدمت نحو وسط البلد من بئر الجوزة، باتجاه المنازل اما الشرذمة الثانية المختلطة القادمة من الشرق على الطريق الرئيسية والتي تقدمتها مصفحة فقد تعثر مسيرها بسبب الخندق والمقاومة من سطح المنزل ولاحقا من خليل سمور ورفاقه ومن المقاتلين في اعالي القرية. واصطدمت الشرذمة الثالثة المهاجمة من بيت هاكيريم عبر الوادي بمقاومة شديدة من وسط القرية وكان احد المواقع المقاومة منزل الحاج اسماعيل عطية وهو يطل على الوادي بأسره وعلى ساحة في الطرف الاخر من الشارع في حائطها بوابة كبيرة للعبور الى الوادي ومنه. وكان المنزل يتألف من ثلاثة طوابق ولسطحه حائط سميك وكان يصعد الى المنزل على سلم في 26 درجة كما يذكر عزمي ابن الحاج اسماعيل الصبي حينذاك (10 سنوات) "اذ كنت اعدها طالعا نازلا". وكان في المنزل من الرجال الحاج اسماعيل (90 عاما) وابنه ربحي (22 عاما) وحفيده محمود (20 عاما) وكان الابن الاكبر محمد (45 عاما) خارج المنزل وما ان هم محمد بدخوله حسب رواية عزمي حتى صرخت اخته سعاد " محمد محمد اليهود اليهود" : اذ رأت عددا منهم يحاولون عبور بوابة الساحة المقابلة من الوادي فاطلق محمد عليهم النار من رشيشه ( Sten)

وتراجعوا وصعد السلم بسرعة بينما كان ربحي ومحمود يغطيانه واتخذ محمد زاوية من السطح وابنه محمود زاوية اخرى بينما كان موقع ربحي عند احدى النوافذ المطلة على الوادي والسلم وطلب محمد من عزمي وسائر العائلة تعبئة امشاط الستن والبنادق له وللاخرين واستمر اطلاق النار بشدة من المنزل ومن منازل قريبة دون ان يتمكن المهاجمون من اقتحام البوابة، واذا تعثر هجوم شرذمة لايتسل في هذه الناحية فان هجوم الشرذمة الرابعة الالتفافية الذي كان القصد منه الوصول الى اعالي القرية الغربية عند المنازل يصد، ويعزو تقرير قدمه في 10 نيسان غداة المعركة مردخاي جيحون الذي كان ضابط مخابرات الهاغانا في المنطقة والمكلف كما اسلفنا بمساندة الهجوم باحتلال تل الشارفة (جبل هرتسل الان) فشل المهاجمون في احتلال دير ياسين في الساعات الأولى من الصباح الى صد تقدم هذه الشرذمة بالذات ذلك انه لو استطاعت في وقت مبكر من الصعود الى اعالي القرية الغربية لكانت تمكنت من حسم المعركة في فترة وجيزة (انتهى كلام جيحون). ويعود صد تقدم هذه الشرذمة وارغامها على الهبوط ثانية الى الوادي الى حفنة من مقاتلي القرية وعلى رأسهم علي قاسم الذي كان منزله في اعاليها وقد اصيب علي خلال دحره المهاجمين اصابة خطرة نقل في اثرها الى عين كارم وهو من المحاربين القدماء من ثورة 1936 وهو الذي درب اهالي دير ياسين على السلاح كما أسلفنا. وورد في الروايات السالفة انسحاب بعض المقاتلين الى منطقة المنازل والواقع ان المرابطين في هذه المنطقة لعبوا دورا اساسيا في القتال لا يقل عن دور علي قاسم بل قد يفوقه. ويروي حسن رضوان انه أستيقظ على اصوات اطلاق الرصاص وصراخ عال من انحاء القرية. فيقف عند باب داره استطلاعا للأمر فيشاهد جيرانه عند ابواب بيوتهم كذلك. يأخذ بندقية من ابن جاره محمود لصغر سنه ويستحكم خلف جدار امام الدار يشرف على القرية بأسرها وعلى الطريق الرئيسية من غيفعات شاؤول وكانت بندقيته انكليزية من مصر يحتوي مخزنها على خمس طلقات وكان في منزله حوالي ثلاثين مخزنا اشترى ذخيرتها من هنا وهناك ومن بعض افراد القرية. وعند بزوغ الشمس يرى اليهود يأتون من الشرق "عند بيوت زهران" وكانت الساعة حوالي الخامسة فأخذ يطلق عليهم النار وهم يردون عليه وكانت اقرب طلقة منهم بعيدة عنه حوالي ثلاثة امتار وبقي ثابتا في موقعه "لا طالع ولا نازل" حتى الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر يطلق النار باقتصاد لقلة ذخيرته حوالي 20 طلقة في الساعة على اهداف مختارة ويحضر الى جواره حوالي السابعة جمعة زهران يتبعه خليل سحور، ثم عبد المجيد سحور واخوه عبد الحميد، فيشاركون في القتال وكان عبد المجيد قناصا ماهرا، وفي هذا الاثناء كان ابو علي صلاح يطلق النار باستمرار من مدفع رشاش يرن من منزله، ويشتد ازيز الرصاص وتدوي الانفجارات في عدد من احياء القرية ويحاول اليهود عبثا الصعود الى اعالي القرية بسبب شدة النيران من هؤلاء المقاتلين، وتشهد جميع الروايات اليهودية اللاحقة بقوة مقاومة هذه المنطقة العليا وتصف خطأ منزل ابو علي صلاح بـ"منزل مختار دير ياسين"، لعلوه وشدة مقاومته بينما منزل المختار هو مقابل فرن البلدة، الذي كان المختار يملكه، وتتمكن هذه المجموعة المقاومة مع سائر المقاتلين من تثبيت المهاجمين عند اطراف القرية الشرقية لساعات عدة مما ادخل اليأس الى قلوبهم

شجاعة العرب اوقعت المهاجمين الصهاينة في مأزق

وفي الساعة الخامسة تبدأ طلائع الجرحى من المهاجمين في الوصول الى غيفعات شاؤول ويكتب الضابط المناوب للهاغانا في قيادة ديفيد شلتئيل قائد الهاغانا بالقدس في دفتر العمليات اليومية "هوجمت دير ياسين في عملية مشتركة للايتسل وليحي، ليحي نجحت في عمليتها من جهة غيفعات شاؤول والايتسل اصطدمت بصعوبات، هناك أخبار عن مقاومة لا بأس بها وهناك قتلى وجرحى بين المهاجمين". وفي السادسة يصاب بن زيون كوهين (ايتسل) قائد الهجوم بجراح خطيرة ولا يستطيعوا اخلائه، ويروي يونا بيتلسون "كنت مناوبا في هيئة الاركان للهاغانا في تلك الليلة ويسأل حراس الهاغانا في غيفعات شاؤول" ما العمل؟ المهاجمون عالقون ونصدر لهم الامر بمساعدتهم". ويقول المؤرخ اليميني ملشتاين:" اشتركت رشاشات الهاغانا في الاحياء المقابلة لدير ياسين في العملية واصيب الكثيرون من اهالي دير ياسين من قبل جراء هذه النيران". ويضيف :"تقدم عدد قليل فقط من ايتسل تحت وابل النيران لملاقاة رجال ليحي وسط القرية" ويتابع ملشتاين "عندما نفذت الذخيرة من ايتسل وليحي اعطاهم قائد غيفعات شاؤول في الهاغانا ذخيرة قليلة واخذوا من دون موافقته مدفعا من طراز لويس ( LEWIS). ويقول تعميم وزعه جهاز استخبارات الهاغانا على كبار القادة في 18 نيسان "مع سقوط الجرحى والقتلى الاوائل في اوساط المنشقين (أي ايتسل وليحي) دبت الفوضى في صفوفهم، كأن وحدة صغيرة خاضت المعركة بمفردها ونفذ الاحتلال بوحشية، عائلات بأكملها قتلت، وتكدست الجثث فوق بعضها البعض". وفي الساعة السابعة صباحا يروي عزرا يخين (ليحي) :" جاء موفد من ايتسل الى القطاع الذي كانت فيه ليحي وقال ان رجال منظمته يبحثون في الانسحاب بسبب النقص في الذخيرة، وقال مردخاي بن عوزيهو قائد ليحي الذي لم يكن قد جرح بعد للموفد اذهب واقنعهم بعدم لانسحاب فنحن في داخل القرية. وفي الوقت نفسه يصل جريح الى غيفعات شاؤول حسب رواية ملشتاين ويصرخ "لماذا لا تخلون الجرحى؟". فتصدر الهاغانا الاوامر لسيارة اسعاف نجمة داوود الحمراء الى الذهاب الى دير ياسين لاخلائهم وتكرر زياراتها ذهابا وايابا ولم يتمكنوا من اخلاء بن زيون كوهين الا في الساعة 11.30. وفي "وقت مبكر" يحضر ضابط الاتصال بليحي الى معسكر البالماخ في مدرسة شنلر حسب رواية ملشتاين ويقول ان رجال ايتسل منهكون ويطلبون المساعدة فتسرع مجموعة من البالماخ في تاكسي مع مدفع هاون بوستين ودليل الى دير ياسين. وفي الساعة التاسعة يصل عداء من القرية الى قيادة مردخاي رعنان قائد الايتسل في القدس حسب روايته هو ويبلغه ان عدد المصابين عشرون وان القوة عاجزة عن التقدم وبن زيون وكوهين الجريح يطلب التعليمات فيذهب رعنان وبصحبته ويهوشع غولدسميث الى القرية" تحت نيران القناصة" ويجتمعا بكوهين الذي يقول لههما " القرار لكما ولكن حسب رأيي لا توجد فرصة لاحتلال القرية وينبغي علينا ان ننسحب وكان يسود المكان جو من الكابة". وفي هذه الاثناء حسب رواية المؤرخ ملشتاين اليميني يصل موفد من ايتسل الى قيادة اللواء عتسيوني للهاغانا في القدس قائلا :" اذا لم تساعدونا فنحن هالكون". ويصدر شلتئيل امره الى قوات البالماخ المرابطة في مستعمرة كريات عنافيم بالقرب من القسطل بارسال ثلاث مصفحات الى دير ياسين ويقول في شهادة لاحقة:" اضطررت الى اصدار الامر الى البالماخ لمساعدتهم لانقاذهم". ويشهد زيون الداد ضابط عمليات اللواء عتسيوني في وقت لاحق:" لولا المساعدة التي قدمها البالماخ لما كانت ايتسل انقذت جرحاها ولما كانت استطاعت الاستمرار في العملية". لكن تدخل البالماخ لم يكن فقط لاخلاء الجرحى كما تشهد بذلك روايتا قائد القوة - النجدة يعقوب فوغ (ونائبه ذاتهما) اذ يقول فوغ :"اخبروني عن دير ياسين وعن وضعهم الباعث على اليأس وانه ليس في مقدورهم اخلاء جرحاهم وطلبوا سلاحا وتغطية واشخاصا" ويتابع فوغ انه اعطى موفدي زطلر (قائد ليحي في القدس ) 3000 طلقة وتوجه عند الظهر بعد الحصول على الامر من شلتئيل الى دير ياسين مع مصفحتين وتندر ومدفعي 52 ملم وثلاثة مدافع رشاشة وكان عدد الاصابات بين المهاجمين قد وصل الاربعين ويصاب قائد ليحي مردخاي بن عوزيهو كما يصاب يهودا سيغل قائد القوة الامامية في ايتسل ويطلب سيغل من مساعد قائد ايتسل يهودا لبيدوت ان يجهز عليه ويروي لبيدوت "مددته على باب وحمله اثنان من زملائه ولكنهما اصيبا فارسلت آخرين ليعيدوا الثلاثة". وتصل قوات البالماخ الى القرية ويجتمع فوغ بقادة ايتسل وليحي ويطلب منهم شرحا تفصيليا على الخارطة ويتبين له انه اضافة الى الجرحى هناك في القرية 25 مقاتلا يهوديا عاجزين عن الحركة بسبب القناصين وخصوا بالذكر منزلا معينا في غربي القرية يطلق القناصون النيران منه "فاطلقت ثلاث قذائف على الجناح الشمالي للمنزل وتوقفت الطلقات منه". ويخبرنا مساعد فوغ، موشيه عيران ان المهاجمين والعرب في القرية كانوا متداخلين مع بعضهم بعضا وكان يتعذر استخدام مدافع الهاون من دون تعريض رجال ايتسل وليحي للخطر (انتهى كلام عيران ). وهكذا دخلت جماعتان من البالماخ بقيادة فوغ وعيران لتصفية مصادر النيران"، ويروي كلمان روزنبلات احد افراد قوة البالماخ" انتقلت مع ستة اشخاص من منزل الى اخر، القينا قنابل يدوية الى داخل المنازل قبل ان ندخلها وقابلنا رجال ايتسل وليحي في وسط القرية. وانضم بعضهم الينا وقال الآخرون " حتى الآن قاتلنا نحن و الآن قاتلوا انتم". ويضيف عيران ":كانت النيران داخل القرية حامية وكان الجرحى من ايتسل وليحي قريبين من النيران وحاولنا الاقتراب منهم، وعندئذ جاء نداء من طرف القائد شلتئيل وامرنا بمغادرة القرية فورا، اخذنا معنا عددا من الجرحى وعدنا الى غيفعات شاؤول ولم نصل الى منزل المختار ! ! ". ويروي ملشتاين ان جمهورا يهوديا في حال انفعال تجمع في مستعمرة غيفعات شاؤول وكان هناك مصور من ( up) واخذت النساء تملئ مخازن البنادق والمدافع الرشاشة لإرسالها الى المهاجمين اليهود في دير ياسين ويروي شمعون مونيتا ان مهاجمي ليحي "ازعجنا قناص كان يسيطر على المنطقة كلها من منزل المختار وكانت كل طلقة منه من مسافة 500 متر صائبة ودخلنا الى المنازل للاحتماء من القناصين". ويروي رؤوفين غرينبرغ من مهاجمي ليحي ايضا "قاتل العرب كالأسود وتميزوا بقنص محكم وخرجت النساء من بيوتهن تحت النيران وجمعن الاسلحة التي سقطت من ايدي المقاتلين العرب الجرحى ونقلنها الى المواقع الداخلية.

فنون صهيونية في احترام الموت : انهم يحرقون بشرا

اقلقت زيارة جاك دو رينييه ممثل الصليب الاحمر الدولي لدير ياسين صباح الاحد 11 نيسان (ابريل) كلا من الوكالة اليهودية (أي القيادة السياسية الصهيونية المركزية) وقيادة الهاغانا في القدس كما اقلقت قادة المنظمتين الارهابيتين ايتشل (الارغون) وليحي (شتيرن) ، وكان رجال المنظمتين الاخيرتين منهمكين في نهب موجودات القرية منذ انتهاء القتال بعد ظهر يوم الجمعة 9 نيسان ولم يجرؤا على التقدم نحو اعالي القرية ورفع العلم الصهيوني على اعلى منزل فيها، إلا يوم السبت في 10 نيسان رغما عن خلو البلدة من المدافعين وانسحابهم منها بسبب نفاد الذخيرة وعدم وصول نجدات. و أصر قادة المنظمتين الإرهابيتين على الخروج من دير ياسين بمنهوباتهما وغنائمهما في اسرع وقت ممكن وتسليم القرية الى رجال الهاغانا وفق الاتفاق مع هذه الاخيرة كما ذكرنا. بيد ان ديفيد شلتيئيل قائد الهاغانا في القدس كان حريصا على ان تقوم المنظمتان الارهابيتان بدفن جثث ضحاياهما قبل استلام القرية منهما اخفاء لمعالم جريمتهما وشواهدها. وكان شلتيئيل قد اصدر أوامره لوحدات من لواء الشبيبة (الجادناع) في القدس للاستعداد للحلول محل رجال ايتسل وليحي ولكنه في الوقت نفسه كان يخشى على معنويات الجادناع من رؤية ما اقترفته ايدي المنظمتين الارهابيتين. في هذه الاثناء وبعد مغادرة دو رينييه لدير ياسين عصر الاحد 11 نيسان قرر قادة المنظمتين أن لا سبيل "للتخلص" من جثث ضحاياهما لا بحرقها. ويروي موشيه برزلاي (ضابط استخبارات ليحي): "صببنا ثلاثة اوعية نفط على ثلاثين جثة في الشارع الرئيسي في القرية وبعد نصف ساعة ادركنا ان هذا مستحيل، فيصدر يهوشع زطلر (قائد ليحي في القدس) امرا بنقل الجثث المحترقة قليلا من الشارع الرئيسي الى ما وراء جدار ويرفض رجاله فعل ذلك فيسحب زطلر مسدسه عليهم ولكني قلت له كن قدوة. وجررنا سوية احدى الجثث وانفصلت يد عن الجسم وبقيت معي وتقيأت". ويروي شاهد عيان من ليحي اسمه شمعون مونيتا:" اعتقدنا ان الجثث ستشتعل ولكن لا يمكن احراق جثث في الهواء الطلق ولقد بنى النازيون من اجل ذلك موقدا خاصا يشتعل بدرجة حرارة عالية جدا". وفي هذه الاثناء يصل دورون حسدأي احد قادة الجادناع الى القرية للاستطلاع بصحبة يشورون شيف مرافق شلتئيل ويصف ما شاهده كالأتي:" على امتداد عشرات الامتار كانت تتوقد شعل من النيران وفيها جثث، لا تزال رائحة اللحم المشعوط تطاردني الى الآن ويتصل شيف بشلتئيل ويقول له "محرقة انهم يحرقون بشرا".

اخفاء ادلة الجريمة ونهب المنازل

ويقرر شلتئيل منع خروج رجال المنظمتين الارهابيتين من دير ياسين وارغامهم على دفن الجثث ويوكل المهمة الى وحدة من الشرطة العسكرية التابعة للواء عتسيوني (الهاغانا) بقيادة ديفيد دريفوس، تعزيزا لوحدات الجادناع وتسير وحدة الشرطة العسكرية ووحدة الجادناع نحو القرية ومعهم يشورون شيف ليجدوا حاجزا من الحجارة يقف خلفه مردخاي رعنان (قائد الايتسل في القدس) ويهودا لبيوت (قائد ليحي في دير ياسين) مع عدد من مرؤسيهم ويجري تلاسن بين الطرفين يعقبه اشتباك بالأيدي يهدد بالتطور الى اشتباك بالسلاح ويتصل شيف بواسطة جهاز لاسلكي بشلتئيل ويقول شلتئيل: "جردهم من سلاحهم واذا لم يسلموا سلاحهم اطلق عليهم النار". ويجيب شيف حسب روايته:" لا استطيع ان افعل ذلك بيهود". وفي هذا الاثناء تصل تعزيزات الى الايتسل في شاحنتين ويصر قادة المنظمتين الارهابيتين على الخروج بشاحنات محملة بغنائمهما . ويخبر شيف شلتئيل بان ما لديه من قوة لا تكفي للسيطرة على الوضع ويقال لرجال الايتسل وليحي: "خذوا ما تريدون وانصرفوا". وهكذا اخيرا تدخل وحدات الجدناع القرية بقيادة قائد لواء الجادناع يهوشع ارئيلي الذي يروي ان شلتئيل امره "بازالة الجثث ودفنها قبل عودة بعثة الصليب الاحمر الدولي". ويتابع ارئيلي القول بان معظم القتلى كانوا من الشيوخ والنساء والاطفال وانه كلف بالدفن فقط قادة متقدمين في السن نسبيا: "عملنا طوال ليلة 12/13 نيسان وكان من الصعب اخراج الجثث من منزلين فحصلنا على موافقة على نسف المنزلين مع الجثث وأنفذنا ذلك صباح الثلاثاء 13 نيسان ودفنا في قبر جماعي حوالي 70 جثة ونسفنا مجموعتين للجثث في كل واحد منهما حوالي 20 جثة وبهذا يكون المجموع حوالي 110 قتلى". ومكث أثناء الدفن عدة أشخاص من قادة اللواء عتسيوني التابع للهاغانا وكان واحدا منهم يشورون شيف.

ويروي هيلل بوليتي احد قادة الجادناع "احضروا لنا من المدينة قفازات ومعاطف واقية وكمامات لتغطية الوجه ونقلنا الجثث اثنتين اثنتين بايدينا الى مقلع للاحجار واحضرت من المدينة جرافة غطت الجثث بالتراب".

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : daor, أثار, أخبار, بيتا, تاريخ, تراث, جرائم الياهود, جغرافيا, سياسة, عقربا, قرى المشاريق, قرى فلسطين, قرى نابلس, مدن فلسطين, نابلس | السمات:, , , , , , , , , , , , , ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

7 تعليق على “ملحمة دير ياسين 1”

  1. من المؤلم جدا ما حدث للشعب الفلسطيني وما يحدث لحد الان في بلاد المسلمين , مجازر وترويع وذبح واعتقال …

    الله وحده القادر على اعادة الحق لكل المظلومين ..

    تحياتي ومودتي

  2. السلام عليكم اخي بن طاطا

    مالبث غازي على امتينى ألا و تم قهره أبتداءً من بنى أسرائيل الى الهكسوس الى البيزنطيين الى الروم الى الصليبين ومروراً بالمغول بقيادة هولاكو و البريطانين و الان جاء دور أسرائيل

    اسرائيل وجدت لتمومت و تذهب لسلت مهملات التاريخ كالمغول ………

    نعم مؤلم ماحدث للفلسطينين وللمسلمين ولاكن لابد أن تشرق الشمس من جديد

    و ترجع العربية الفصحة للقدس ونسمع أذان المساجد و صوت اجراس الكنأس بساحات القدس

    ولك تحيتي اخي بن طاطا

  3. كما قال غاندي بما معناه : يستهزء بك ثم يضحك عليك ثم يضربك ويأخذ ارضك ثم تنتصر عليه !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

    تحياتي لك سيدي دور انت صرعه جد ما بمزح معك

  4. السلام عليكم اخي سار الاحرار

    انت الصرعه اخي سار الأحرار بمقالاتك المثيرة و القيمة

    اشكرك على تواصلك الدائم ………… و ارجو ان اكون عند حسن ظنك

    ولك مودتي

  5. chokran 3ala ziyaratika…… ma3diratan 7asoubi la yaktob bil 3arabiya sa2osli7oho radan wa sa2atasilo bmodawanatika

    as3adani ta3li9oka

  6. شكرا على التوثيق الرائع والجدهد المبذول .إنه يستحق الثناء والشكر .لقد أهلتني حجم المعلومات المتوفرة في المقال المستفيض .وكم آلمني حرق الجثث ،وقبل ذلك مذبحة دير ياسين وماشابهها.فهل يهمل التاريخ ذلك ؟.وشكرا

  7. السلام عليكم اخي الصديق عبدالله

    التاريخ لايهمل شئ ………….. سؤ من مذابح ………. من تخاذل انظمه عربية

    وتخاذل الشعوب العربية



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر